الرئيسيةالرأيكرة القدم… حين يتحول الهروب الجماعي إلى اختيار واعٍ
الرأي

كرة القدم… حين يتحول الهروب الجماعي إلى اختيار واعٍ

في الحقيقة بريس، لا نميل إلى ترديد الأفكار المستهلكة، ولا إلى تحميل المسؤولية دائمًا لـ«جهة غامضة» اسمها السلطة. لذلك، حين نصف كرة القدم بأنها «أفيون الشعوب»، يجدر بنا التوقف قليلًا ومساءلة هذا التشخيص السهل:
هل تُخدَّر الشعوب فعلًا… أم أنها، في لحظة إنهاك تاريخي، اختارت المخدِّر؟
الواقع أن كرة القدم، في كثير من مجتمعاتنا، لم تعد أداة إلهاء مفروضة من الأعلى، بل ملاذًا طوعيًا من الأسفل. الجماهير لا تُساق إلى الملاعب، بل تهرول إليها. لا تُجبر على متابعة الجدل الرياضي، بل تطلب المزيد منه، ليلًا ونهارًا. هنا، تنتفي براءة “الضحية”، ويظهر وجه آخر أكثر إرباكًا: الهروب بوصفه قرارًا جماعيًا.
الأخطر أن كرة القدم لم تعد تُسكّن الألم فقط، بل تُعيد توجيهه. الغضب الذي كان من المفترض أن يُطرح في أسئلة السياسة، العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، يُفرَّغ اليوم في سبّ حكم مباراة، أو تصفية حسابات وهمية بين جماهير. وهكذا، يتحول الاحتقان الاجتماعي إلى صراع رياضي آمن… لا يكلّف شيئًا، ولا يغيّر شيئًا.
لقد منحت كرة القدم وهم المشاركة دون مخاطرة. المشجع يشعر بالقوة، بالصوت العالي، بالانتماء الصارخ، دون أن يدفع ثمنًا حقيقيًا أو يتحمل مسؤولية فعلية.: رأي بلا أثر، وحماس بلا مشروع.
في هذا السياق، لا تُغيّب كرة القدم الوعي بقدر ما تملأ فراغه. فراغ تركته السياسة حين فقدت ثقة الناس، والدولة حين تراجعت كفكرة جامعة، والنخب حين انسحبت من دورها النقدي. فكان القميص الرياضي هو الهوية الأسهل، والأسرع، والأقل كلفة.
لهذا، فإن اختزال المشكلة في “كرة القدم” هو تبسيط مُخلّ. فالأفيون لا يعمل إلا حين يكون الألم أعمق من القدرة على المواجهة. والكرة لم تخلق هذا الألم، لكنها نجحت في تحويله إلى صراخ موسمي، وذاكرة قصيرة، ونسيان جماعي مؤقت.
المعركة الحقيقية ليست ضد اللعبة، بل ضد الفراغ الذي سمح لها بأن تتحول إلى بديل عن المعنى. وحين تستعيد المجتمعات ثقتها في الفعل العام، وفي جدوى المطالبة والتغيير، ستعود كرة القدم تلقائيًا إلى حجمها الطبيعي: لعبة جميلة… لا قضية وجود.
إلى ذلك الحين، يبقى السؤال الذي لا يحب أحد سماعه:
هل نحن شعوب مُخدَّرة… أم شعوب تعبت من الصحو فاختارت النوم الجماعي؟
✍️ د/ يونس الجامعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *