يقدّم هذا الكتاب دراسة تاريخية تحليلية معمّقة لمسار تشكل السيادة المغربية على أقاليمها الجنوبية، من خلال قراءة طويلة المدى تربط بين بنية الدولة المغربية في تشكلها الوسيط، وتحولاتها الحديثة، ولحظتها المفصلية في القرن العشرين.
ينطلق المؤلف من فرضية مركزية مفادها أن قضية الصحراء ليست نزاعًا سياسيًا طارئا، بل تعبير عن استمرارية تاريخية لمجال سيادي تشكل عبر آليات البيعة، والتنظيم المخزني، وشبكات التجارة الصحراوية، والروابط الروحية والمؤسساتية التي ربطت الشمال بالجنوب في إطار دولة ممتدة ومتجددة.
وفي هذا السياق، يحتل حدث المسيرة الخضراء سنة 1975 مكانة تحليلية محورية. فقد مثلت المبادرة التي أطلقها جلالة الملك الحسن الثاني لحظة انتقال نوعي في مفهوم استرجاع الأرض، إذ أعادت تعريف استعادة السيادة بوصفها فعلًا سياسيا سلميا يستند إلى الشرعية التاريخية والتعبئة الشعبية، بدل منطق المواجهة العسكرية. ومن ثم تحولت المسيرة الخضراء من حدث سياسي إلى رمز وطني دائم، يُجسّد تلاحم العرش والشعب، ويشكل أحد أهم مرتكزات الذاكرة الجماعية المغربية.
ويتابع الكتاب تحليل الامتداد المعاصر لهذا المسار في عهد جلالة الملك محمد السادس، حيث انتقل تدبير القضية من مرحلة التثبيت الدبلوماسي إلى مرحلة البناء التنموي وترسيخ السيادة الفعلية. ويبرز المؤلف أن مبادرة الحكم الذاتي تمثل تصورا استراتيجيا متقدما يجمع بين الشرعية التاريخية والواقعية السياسية، وقد أسهمت في تعزيز الاعتراف الدولي المتزايد بمغربية الصحراء، وفي إعادة تموضع القضية ضمن تحولات النظام الدولي الراهن.
ولا يقف العمل عند حدود التأريخ للوقائع، بل ينفتح على أفق استشرافي يناقش استكمال الوحدة الترابية في ضوء الإرث التاريخي للمجال المغربي، بما في ذلك قضية الصحراء الشرقية، ضمن معالجة قانونية وتاريخية تراعي تحولات السياق الإقليمي والدولي.
بهذا المعنى، يندرج الكتاب ضمن الكتابات التاريخية طويلة النفس، التي تعيد تركيب المسارات بدل الاكتفاء بسرد الأحداث، وتُقارب قضية الصحراء باعتبارها تجليًا لبنية دولة متواصلة في الزمن، لا مجرد ملف سياسي معاصر.
إنه عمل موجّه إلى الباحثين وصنّاع القرار والمهتمين بالتاريخ السياسي للمغرب، ويسعى إلى إثراء النقاش الأكاديمي حول السيادة والمجال والشرعية في التجربة المغربية.
بقلم الدكتور منير محقق

