تعيش مدينة الدار البيضاء تحولا عميقا في مجال التنقل الحضري، وهو تحول يضع سائقي سيارات الأجرة أمام مرحلة جديدة تختلف كثيرا عن السنوات الماضية. فالمدينة، باعتبارها أكبر قطب اقتصادي في المغرب، تعرف يوميا ملايين التنقلات، فيما تتجه السياسات العمومية إلى تقوية النقل الجماعي المنظم والربط بين وسائل النقل المختلفة. ووفق المعطيات المنشورة من جماعة الدار البيضاء، يسجل السكان نحو 6 ملايين تنقل يومي، كما أن سيارات الأجرة الكبيرة والصغيرة ما تزال تشكل جزءا مكملا من المنظومة بحوالي 15 ألف سيارة أجرة.
هذا يعني أن مستقبل سائق الطاكسي في الدار البيضاء لن يكون مرتبطا فقط بالطلب التقليدي على الخدمة، بل بقدرته على التكيف مع مدينة تتغير بسرعة. فشبكة النقل المهيكل توسعت بشكل واضح، إذ تؤكد جماعة الدار البيضاء وجود 4 خطوط ترامواي بطول إجمالي يصل إلى 76 كيلومترا، إضافة إلى خطين للباصواي بطول 22 كيلومترا، ضمن توجه نحو نقل حضري أكثر اندماجا واستدامة. كما أن مشاريع كبرى مرتبطة بالتحضير لمواعيد دولية كبرى، مثل كأس العالم 2030، تشمل أيضا خطوطا جديدة وبنيات نقل إضافية مثل مشروع RER ومحطات جديدة.
في هذا السياق، لم يعد سائق سيارة الأجرة مجرد ناقل للركاب من نقطة إلى أخرى، بل صار مطالبا بأن يصبح جزءا من منظومة تنقل متكاملة. الراكب اليوم يبحث عن السرعة، والوضوح في التسعيرة، وسهولة الوصول إلى الخدمة، والنظافة، والشعور بالأمان. كما أن توسع الترامواي والباصواي سيؤثر تدريجيا على بعض الخطوط التقليدية التي كانت سيارات الأجرة تستفيد منها، خصوصا في المحاور ذات الكثافة المرتفعة. لذلك، فإن المستقبل قد لا يكون في المنافسة المباشرة مع النقل الجماعي المهيكل، بل في لعب دور تكميلي: الربط بين الأحياء الداخلية والمحطات الكبرى، وتأمين “الكيلومتر الأخير” الذي لا تغطيه الشبكات الثابتة دائما.
من جهة أخرى، يواجه القطاع ضغطا متزايدا من الرقمنة وتطبيقات النقل. ورغم أن الإطار القانوني لهذا المجال ظل محل نقاش، فإن المؤشرات الإعلامية خلال 2025 و2026 تعكس بوضوح أن السلطات تناقش تنظيم خدمات النقل عبر التطبيقات بدل تجاهلها، بالتوازي مع مطالب بإعادة هيكلة القطاع التقليدي. هذا التطور يبعث برسالة واضحة: المستقبل سيكون لمن يستطيع الجمع بين الشرعية القانونية، والخدمة الجيدة، والاستفادة من التكنولوجيا، سواء عبر تطبيقات الحجز، أو الأداء الرقمي، أو تتبع المسار، أو تحسين العلاقة مع الزبون.
لكن هذا التحول لا يجب أن يُفهم فقط كتهديد. ففي الواقع، يمكن أن يشكل فرصة حقيقية لسائقي سيارات الأجرة بالدار البيضاء. المدينة تتوسع، والطلب على التنقل لن يختفي، بل سيتغير شكله. ومع إطلاق أولى محطات سيارات الأجرة قرب نقاط استراتيجية مثل “الدار البيضاء-الميناء”، ومع الحديث عن تحديث الأسطول واعتماد رخص بيو مترية، يظهر أن هناك توجها نحو إدماج الطاكسي داخل صورة جديدة للمدينة أكثر تنظيما وحداثة، خاصة مع الاستعدادات المرتبطة بالتظاهرات الكبرى.
غير أن نجاح هذا الانتقال يظل مشروطا بعدة عوامل. أولها تحسين ظروف اشتغال السائق نفسه، لأن الحديث عن الجودة لا يستقيم من دون معالجة مشاكل الرخص، والهشاشة الاجتماعية، وارتفاع تكاليف الاستغلال، والضغط اليومي الذي يعيشه السائق وسط الازدحام والمنافسة. ثانيها التكوين، إذ سيكون من الضروري تأهيل السائقين في مجالات الاستقبال، والتعامل مع الزبناء، واستعمال الأدوات الرقمية، وحتى اللغات في بعض المناطق الحيوية. وثالثها تجديد الأسطول بما يواكب المعايير البيئية والراحة المطلوبة داخل مدينة تريد أن تقدم نفسها كحاضرة حديثة وقادرة على استقبال أحداث قارية وعالمية.
إن مستقبل سائقي سيارة الأجرة بالدار البيضاء لن يكون مستقبلا أسود كما يتخوف البعض، ولن يكون مريحا كما كان في السابق. إنه مستقبل انتقالي، فيه من الصعوبة بقدر ما فيه من الإمكانات. من يرفض التغيير قد يجد نفسه خارج التحول الحضري الجاري، أما من ينخرط فيه فبوسعه أن يحافظ على مكانته، بل وأن يطور دخله وصورته المهنية. فالدار البيضاء القادمة تحتاج إلى سائق طاكسي أكثر مهنية، وأكثر مرونة، وأكثر ارتباطا بمنطق الخدمة الحديثة.
خلاصة القول:
سائق سيارة الأجرة في الدار البيضاء لن يختفي، لكنه لن يبقى كما هو. المستقبل يتجه نحو طاكسي منظم، مهيكل، رقمي، ومندمج مع باقي وسائل النقل. ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي ليس هل سيستمر القطاع، بل من من السائقين سيكون قادرا على التأقلم مع مدينة تتغير بسرعة.
بقلم : سعيد بن زينة

