الرئيسيةأخبار وطنيةالدروس الخصوصية والبكالوريا: حين يغيب القسم ويحضر “السوق التعليمي”
أخبار وطنية

الدروس الخصوصية والبكالوريا: حين يغيب القسم ويحضر “السوق التعليمي”

 

بين هوس النجاح السريع وتراجع قيمة الدرس النظامي… هل أصبحت المعرفة تُبنى خارج أسوار المدرسة؟

مع اقتراب امتحانات البكالوريا من كل سنة، يتكرر مشهد يكاد يصبح مألوفاً داخل المشهد التعليمي: تلاميذ يقضون ساعات طويلة في الدروس الخصوصية، مقابل فتور واضح في التفاعل مع الدروس النهارية داخل الفصول الدراسية. ظاهرة لم تعد مجرد دعم إضافي للتعلم، بل تحولت عند كثيرين إلى ما يشبه البديل غير المعلن للمدرسة.

المفارقة أن القسم، الذي يفترض أن يكون الفضاء الطبيعي لبناء المفاهيم وتأسيس الفهم، أصبح في نظر بعض التلاميذ مجرد محطة عابرة، بينما تُمنح الدروس الخصوصية صفة “المصدر الحقيقي” للفهم والتحصيل. وهنا يكمن جوهر الإشكال: اختلال ترتيب الأدوار بين الأصل والفرع.

فالحصة الدراسية داخل المؤسسة ليست مجرد وقت لشرح الدروس المقررة، بل هي عملية تربوية متكاملة تقوم على التدرج في بناء المعرفة، وعلى الحوار والتفاعل وتصحيح الأخطاء وتوجيه التفكير. في القسم يتعلم التلميذ كيف يفهم النص، وكيف يحلل التمرين، وكيف يربط بين المفاهيم. أما الدروس الخصوصية، في الأصل، فوظيفتها أن تدعم هذا البناء وأن تساعد على ترسيخه، لا أن تحل محله.

غير أن الواقع أفرز نوعاً من “السوق التعليمي الموازي”، حيث أصبحت بعض الدروس الخصوصية تقدم نفسها باعتبارها الطريق الأقصر نحو النجاح في الامتحان. وهكذا يتحول التعلم من عملية فهم وبناء معرفي إلى سباق نحو حل أكبر عدد ممكن من التمارين والنماذج، أحياناً على حساب الفهم العميق للمادة.

وتزداد خطورة هذه الظاهرة حين يبدأ بعض التلاميذ في إهمال الدرس النهاري عمداً، بدعوى أنهم سيستوعبون المادة لاحقاً في الحصة الخاصة. هذا السلوك لا يضر فقط بجودة التعلم، بل يضعف أيضاً علاقة التلميذ بالقسم وبالأستاذ، ويجعل المدرسة تفقد جزءاً من دورها التربوي.

كما أن انتشار الدروس الخصوصية بهذا الشكل يطرح إشكالاً اجتماعياً لا يقل أهمية، إذ تتحول المعرفة تدريجياً إلى خدمة مرتبطة بالقدرة المادية للأسر. فالتلميذ الذي لا يستطيع متابعة هذه الدروس قد يشعر أحياناً أنه أقل حظاً في المنافسة، رغم أن المدرسة يفترض أن تكون فضاءً لتكافؤ الفرص.

لا يعني هذا أن الدروس الخصوصية ظاهرة سلبية في حد ذاتها؛ فهي قد تكون مفيدة حين تُستعمل بشكل معقول ومحدود لدعم الفهم أو تجاوز بعض الصعوبات. لكن الخلل يبدأ حين تصبح بديلاً عن القسم، لا امتداداً له.

إن الرهان الحقيقي في مرحلة البكالوريا لا يكمن في عدد الساعات التي يقضيها التلميذ بين المدرسة والدروس الخاصة، بل في قدرته على التفاعل الحقيقي مع الدرس داخل الفصل. فهناك تتشكل المفاهيم، وهناك يتعلم التلميذ منهجية التفكير والتحليل، وهي المهارات التي لا يمكن لأي درس سريع خارج المدرسة أن يعوضها.

ولعل السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم بجرأة هو: هل نريد مدرسة تُبنى فيها المعرفة داخل الفصل، أم نريد تعليماً يتشكل في فضاءات موازية خارجها؟

الإجابة عن هذا السؤال ستحدد ليس فقط مستقبل البكالوريا، بل أيضاً صورة المدرسة في وجدان التلاميذ والمجتمع.

الدكتور يونس الجامعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *