تشهد المدينة القديمة بالدار البيضاء منذ أشهر حملة واسعة لهدم المنازل الآيلة للسقوط، في خطوة وصفتها السلطات المحلية بـ”الضرورية” للحفاظ على أرواح السكان، فيما يراها بعض الأهالي “صفحة مؤلمة” تُطوى من تاريخ الحي العتيق.
*خطر يومي يهدد السكان*
أحصت ولاية جهة الدار البيضاء-سطات أكثر من 1200 بناية مهددة بالانهيار داخل أسوار المدينة القديمة، أغلبها شُيّد قبل أكثر من 80 سنة. وتسببت الأمطار الأخيرة في انهيار جزئي لثلاثة منازل بدرب السلطان، دون تسجيل خسائر بشرية، لكنها دقت ناقوس الخطر مجدداً.
يقول عبد الرحيم، 54 سنة، من سكان زنقة القاضي: “كنا ننام والخوف فوق رؤوسنا. السقف يقطر ماء في الشتاء، والجدران تتشقق كل صيف. الهدم كان الحل الأخير”.
*عملية منظمة بتعويضات وإيواء مؤقت*
أكدت الوكالة الحضرية للدار البيضاء أن عمليات الهدم تتم وفق مسطرة قانونية دقيقة، تشمل خبرة تقنية من المختبر العمومي للتجارب والدراسات LPEE، ثم إشعار السكان بقرار الإفراغ. وتُمنح الأسر المتضررة تعويضاً مالياً أو شقة في مشاريع السكن الاجتماعي بمناطق مثل سيدي مومن والرحمة.
وأوضحت فاطمة الزهراء، مهندسة مكلفة بالملف، أن “الأولوية هي إنقاذ الأرواح. لا نهدم إلا بعد استنفاد كل حلول الترميم، وبعد ضمان بديل كريم للسكان”.
*بين الحنين للتراث وهاجس السلامة*
رغم تفهم السكان لخطورة الوضع، يعبّر كثيرون عن حزنهم لفقدان منازل تحمل ذكريات أجيال. جمعيات المجتمع المدني تطالب بمواكبة عمليات الهدم بمشاريع لإعادة تأهيل النسيج العمراني، والحفاظ على الطابع المعماري للمدينة القديمة، عبر ترميم الواجهات التاريخية وإعادة استعمال الخشب والزليج البلدي.
من جهته، أوضح الباحث في التراث العمراني، الدكتور يوسف بنعلي، أن “التحدي هو الموازنة بين حماية الأرواح وحماية الذاكرة. يمكن هدم ما يشكل خطراً آنياً، مع إطلاق برنامج استعجالي لترميم البنايات ذات القيمة التاريخية”.
*ماذا بعد الهدم؟*
تتعهد السلطات بأن الأراضي التي يتم إخلاؤها ستخصص لمشاريع ذات منفعة عامة: ساحات عمومية، مراكز قرب، أو إعادة بناء بنفس الطابع المعماري مع احترام معايير السلامة. فيما ينتظر السكان أن تتحول الوعود إلى واقع، وأن لا تتحول “المدينة القديمة” إلى مجرد اسم على الخريطة.
الهدم قد يُنهي خطر السقوط، لكنه يفتح نقاشاً أكبر: كيف ننقذ الإنسان دون أن ندفن التاريخ؟
بقلم :سعيد بن زينة

