الرئيسيةمجتمعنقيب زوايا رجراجة الحاج عبد العزيز المقدم… ذاكرة حية لإرث روحي ضارب في عمق التاريخ، وطواف “الدور” كجسر بين الماضي والحاضر
مجتمع

نقيب زوايا رجراجة الحاج عبد العزيز المقدم… ذاكرة حية لإرث روحي ضارب في عمق التاريخ، وطواف “الدور” كجسر بين الماضي والحاضر

بقلم عمر طنطاوي

نقيب زوايا رجراجة الحاج عبد العزيز المقدم… ذاكرة حية لإرث روحي ضارب في عمق التاريخ، وطواف “الدور” كجسر بين الماضي والحاضر.

في عمق المجال الترابي الممتد بين الصويرة وآسفي، يبرز الإرث الرجراجي كواحد من أبرز التمظهرات الدينية والثقافية التي صمدت عبر القرون، محتفظًا بخصوصيته الرمزية ووظيفته الاجتماعية.

ويقف على رأس هذا الموروث نقيب زوايا رجراجة، الحاج عبد العزيز المقدم، باعتباره ليس فقط مشرفًا على تنظيم الطواف السنوي، بل أيضًا حارسًا لذاكرة جماعية تتجاوز البعد الديني لتلامس الهوية المحلية والانسجام المجتمعي.

الرجراجيون… بين التاريخ والأسطورة.

يرتبط أصل رجراجة بروايات تاريخية وروحية متعددة، تتقاطع فيها الذاكرة الشعبية مع ما دونه المؤرخون.

ويُجمع المهتمون على أن رجراجة تمثل قبيلة أو جماعة صوفية لعبت دورًا محوريًا في نشر الإسلام وتعزيز القيم الروحية بالمغرب، خصوصًا في المناطق القروية.

وقد ارتبط اسمهم برجال صالحين وعلماء كان لهم تأثير كبير في تشكيل الوعي الديني المحلي.

طواف “الدور”… أكثر من مجرد عادة.

يشكل طواف “الدور” أبرز تجليات هذا الإرث، حيث يقوم الرجراجيون برحلة سنوية تمر عبر عشرات المحطات (الزوايا والمزارات) المنتشرة بين الصويرة وآسفي. هذه الرحلة ليست مجرد تنقل جغرافي، بل هي طقس رمزي يعيد إنتاج الذاكرة الجماعية، ويؤكد استمرارية الرابط الروحي بين الإنسان والمجال.

يمتد هذا الطواف لأسابيع، حيث يستقبل السكان المحليون الوفود الرجراجية بحفاوة كبيرة، في مشهد يعكس قيم الكرم والتضامن.

كما تتحول هذه المحطات إلى فضاءات للتلاقي، تُستحضر فيها الأذكار والطقوس الصوفية، وتُعزز من خلالها الروابط الاجتماعية.

دور النقيب… قيادة بروح الحكمة.

يُعد نقيب الزوايا، الحاج عبد العزيز المقدم، محور هذا النظام التقليدي، حيث يشرف على تنظيم الطواف وضبط إيقاعه، مستندًا إلى أعراف متوارثة وقواعد دقيقة. غير أن دوره لا يقتصر على الجانب التنظيمي، بل يمتد إلى الحفاظ على التوازن بين الأصالة والتحديث، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها المجتمع.

ففي زمن تتسارع فيه وتيرة التغيير، يواجه هذا الإرث تحديات حقيقية، من بينها تراجع الاهتمام لدى الأجيال الصاعدة، وتأثير العولمة على أنماط التدين والسلوك الاجتماعي.

وهنا يبرز دور النقيب كفاعل أساسي في إعادة إحياء هذا التراث، من خلال الانفتاح على الإعلام والتوثيق، دون التفريط في جوهره الروحي.

بين التراث والتنمية
لم يعد طواف رجراجة مجرد ممارسة دينية، بل أصبح أيضًا رافعة للتنمية المحلية. إذ تستفيد المناطق التي يمر بها الطواف من حركية اقتصادية واجتماعية، من خلال تنشيط التجارة التقليدية واستقطاب الزوار والمهتمين بالتراث.

غير أن هذا البعد التنموي يطرح بدوره أسئلة جوهرية:
هل يتم استثمار هذا الإرث بالشكل الذي يليق بقيمته؟
وهل هناك رؤية واضحة لحمايته من التوظيف السطحي أو الاستغلال التجاري؟

أسئلة مفتوحة على المستقبل
إن الحديث عن الإرث الرجراجي اليوم يفرض طرح مجموعة من الإشكالات العميقة:
كيف يمكن نقل هذا التراث للأجيال القادمة دون فقدان روحه؟
ما هو دور المؤسسات الرسمية في دعمه وتأطيره؟
وكيف يمكن التوفيق بين البعد الروحي ومتطلبات العصر؟

يبقى طواف رجراجة، بقيادة نقيب الزوايا الحاج عبد العزيز المقدم، نموذجًا حيًا لذاكرة جماعية تقاوم النسيان، وتُجدد نفسها كل سنة عبر مسار “الدور”. هو ليس فقط رحلة في المكان، بل رحلة في الزمن، تعيد ربط الإنسان بجذوره، وتمنحه فرصة للتأمل في معنى الانتماء والاستمرارية.

إن الحفاظ على هذا الإرث مسؤولية مشتركة، تتطلب وعيًا جماعيًا يتجاوز النظرة الفولكلورية، نحو إدراك عميق لقيمته الحضارية والإنسانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *