بقلم عبد الحق طاوسي
سيدي علال القيرواني… من القيروان إلى قلب الدار البيضاء.
تُعد شخصية سيدي علال القيرواني من أبرز الرموز الروحية والتاريخية التي ارتبطت بنشأة مدينة الدار البيضاء، حيث تختزل سيرته مسارًا إنسانيًا وروحيًا عابرًا للحدود، انطلق من القيروان بتونس ليحط الرحال بسواحل المغرب خلال القرن الرابع عشر الميلادي.
تفيد الروايات التاريخية أن هذا الولي الصالح قدم في رحلة بحرية نحو السودان الغربي (السنغال حاليًا)، غير أن الأقدار شاءت أن تنحرف سفينته عن مسارها لتستقر به بسواحل أنفا، الاسم القديم للدار البيضاء. وهناك، استقبله الصيادون واحتضنوه، ليختار الاستقرار بينهم ويبدأ حياة جديدة قائمة على الزهد والتقرب إلى الله.

ارتبط اسم سيدي علال القيرواني بقصة مؤثرة مع ابنته أو زوجته “لالة البيضاء”، التي توفيت قبله أو بعده حسب اختلاف الروايات، فشيّد لها ضريحًا مطليًا باللون الأبيض تكريمًا لها. ويُعتقد أن هذا “البيت الأبيض” كان سببًا في تسمية المدينة لاحقًا بـ”الدار البيضاء”، في دلالة رمزية عميقة تجمع بين الحزن والوفاء والتخليد.
ويقع ضريح سيدي علال القيرواني اليوم داخل المجال الحضري لمدينة الدار البيضاء، وبالضبط في نطاق جماعة سيدي بليوط، بالقرب من المدينة القديمة وميناء الدار البيضاء، حيث يشكل معلمة تاريخية وروحية بارزة، ويُعد من أقدم الزوايا بالمدينة.
ولا يبعد هذا الضريح إلا بأمتار قليلة عن ضريح سيدي بليوط، أحد كبار أولياء المدينة، مما يعكس غنى هذا الفضاء الحضري برموزه الدينية والتاريخية، ويجعل منه نقطة استقطاب للزوار والباحثين في التراث الروحي للعاصمة الاقتصادية.
لقد ظل ضريح سيدي علال القيرواني عبر القرون شاهدًا على تداخل الأسطورة بالتاريخ، وعلى عمق الروابط الروحية التي شكلت هوية مدينة الدار البيضاء. فهو ليس مجرد مقام للزيارة، بل ذاكرة حية تحكي قصة تأسيس، ووفاء إنساني، وجذور حضارية ضاربة في عمق التاريخ

