مع اقتراب حلول عيد الأضحى المبارك، تحول النقاش داخل البيوت المغربية وفي منصات التواصل الاجتماعي من أجواء البهجة والتحضير للمناسبة الدينية، إلى رحلة بحث مقلقة ومضنية عن “كبش العيد” في ظل موجة غلاء غير مسبوقة حرقت جيوب المواطنين، وجعلت من اقتناء الأضحية عبئاً ثقيلاً يهدد الاستقرار المالي للأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط.
أسعار ملتهبة في “الرحبة” والاستثناء يصبح قاعدة
في جولة لجريدة “الحقيقة بريس” في عدد من أسواق الماشية (الرحبة) عبر ربوع المملكة، أجمع المواطنون على أن أسعار هذا العام تجاوزت كل التوقعات. فالأكباش التي كان يتراوح سعرها في السنوات الماضية بين 2500 و 3500 درهم، باتت اليوم تُعرض بأسعار تبدأ من 4500 درهم وتتجاوز أحياناً 7000 درهم، وهي أرقام تفوق بكثير القدرة الشرائية للمواطن البسيط الذي لم يتعافَ بعد من تداعيات التضخم المستمر وغلاء المواد الأساسية.
ورغم التطمينات الحكومية المتكررة بشأن وفرة العرض ودعم مستوردي الأغنام لتأمين حاجيات السوق الوطنية، إلا أن الواقع على الأرض يعكس فجوة كبيرة؛ حيث يشتكي المواطنون من أن الدعم الموجه للمستوردين لم ينعكس إيجاباً على الأسعار النهائية التي يدفعها المستهلك.
المبررات بين “الجفاف” وجشع “الشناقة”
تتعدد الروايات خلف هذا الارتفاع الصاروخي للأسعار، حيث يربط الكسابة (مربو الماشية) الأمر بـ:
توالي سنوات الجفاف: مما أدى إلى تراجع المساحات الرعوية الطبيعية.
ارتفاع أسعار الأعلاف: التي تضاعفت كباقي المواد المستوردة، مما رفع من تكلفة إنتاج الأضحية الواحدة.
بالمقابل، يوجه المواطنون أصابع الاتهام إلى فئة “الشناقة” (المضاربين والوسطاء) الذين يستغلون غياب المراقبة الصارمة في الأسواق العشوائية ليقوموا بشراء القطعان وإعادة بيعها بهامش ربح خيالي، مستغلين حاجة الأسر المغربية وحرصها على إحياء هذه الشعيرة الدينية مهما كلف الثمن.
أمام هذا الوضع الضاغط، بدأت تطفو على السطح ظواهر اجتماعية جديدة؛ فبينما اختارت بعض العائلات مرغمة التخلي عن اقتناء الأضحية هذا العام لعدم قدرتها على مسايرة الأسعار، اتجهت عائلات أخرى نحو الاقتراض أو بيع بعض الأثاث والمجوهرات لتفادي “الحرج الاجتماعي” أمام الأبناء والجيران.
هذا الضغط النفسي والمالي يضع التماسك الاجتماعي على المحك، وسط تساؤلات جدية يطرحها الشارع المغربي حول جدوى المخططات الفلاحية الحالية ودور جمعيات حماية المستهلك في لجم هذا الانفلات السعري الذي بات يتكرر كل سنة.
كلمة الحقيقة بريس:
إن عيد الأضحى شعيرة دينية أساسها التقوى والتكافل، لكنها تحولت في ظل الواقع الحالي إلى امتحان عسير لكرامة المواطن. إن تغول المضاربين وغياب الحلول الهيكلية لحماية القدرة الشرائية يفرغ المناسبة من أبعادها الروحية، ويجعل من “كبش العيد” هماً سنوياً يؤرق المغاربة عوض أن يكون مصدر فرح وسرور.
بقلم:سعيد بن زينة

