لم تكد تنقشع بعد رائحة الاكباش وأدخنة المشاوي من أزقة المدن والقرى المغربية، حتى بدأ المواطنون يستعيدون مرارة فاتورة عيد الأضحى الذي احتفلت به المملكة قبل يومين فحسب. وقد كشف هذا الموسم مجدداً عن جرح متكرر لم تُعالَج أسبابه الحقيقية؛ إذ اضطُرّ كثير من الأسر المغربية إلى الاستدانة أو التنازل عن الأضحية كلياً تحت وطأة الأسعار الاستثنائية التي سجّلتها أسواق الماشية هذا العام. فما الذي أوصلنا إلى هنا؟ وكيف نضمن ألا يتكرر هذا المشهد في عيد الأضحى المقبل؟
أولاً: ما الذي جرى هذا العام؟ .. قراءة في جذور الأزمة
1. ارتفاع تكاليف الأعلاف وتداعيات الجفاف نقول حينها انه قد عانى المغرب خلال السنوات الأخيرة من موجات جفاف متكررة أضعفت الغطاء النباتي وأنهكت المراعي الطبيعية، مما اضطر المربّين إلى الاعتماد الكلي على الأعلاف المصنّعة التي قفزت أسعارها بشكل لافت في الأسواق الدولية، لا سيما الشعير والذرة وكسب الصويا. وقد انعكس ذلك مباشرة على السعر النهائي الذي دفعه المستهلك في السوق. أم أن هناك اختلال موازين العرض والطلب.ومن هنا..
نكشتف أن هذا الموسم كان هناك اختلال واضح بين حجم الطلب الموسمي الهائل وقدرة القطيع الوطني على تلبيته، في ظل تراجع ملموس في أعداد الماشية جراء تداعيات الجفاف للسنوات الفارطة رغم انه السنة الحالية عرفت وفرة هائلة من المياه جراء أمطار الخير والبركات التي عمت المملكة. وقد استغل بعض الباعة شح السنة المفرطة كمبرراً لرفع الأسعار إلى مستويات قياسية.
أما عن. سطوة الوسطاء وغياب الشفافية
رصدت جريدتنا خلال جولات ميدانية في عدد من أسواق الماشية غياباً شبه تام للأسعار المرجعية، فيما كان الوسطاء والسماسرة يتحكمون في دورة التسويق بشكل لافت، مُضخّمين هامش الربح على حساب المستهلك دون أن يعود بالنفع الحقيقي على المربّي الصغير.
أم أن سببا من الأسباب هو قصور الرقابة الحكومية
رغم الإجراءات المُعلنة، جاءت الرقابة الفعلية على أسواق الماشية قاصرة هذا العام، إذ تفشّى البيع العشوائي خارج الأسواق المنظّمة، وغابت آليات التدخل الرادع في مواجهة المضاربين، وظل المواطن وحيداً في مواجهة السوق.
ثانياً: الدروس المستخلصة.. ماذا يجب أن يتغيّر قبل عيد الأضحى المقبل؟
الوقت الآن هو الوقت المناسب بامتياز للتخطيط والإصلاح، لأن الجرح لا يزال طازجاً والذاكرة الجماعية حاضرة. وفيما يلي الحلول الكفيلة بتفادي تكرار هذا السيناريو: على المستوى الاستراتيجي
إعادة بناء القطيع الوطني فوراً:
يجب الشروع الآن، دون انتظار، في برامج وطنية لإعادة تأهيل القطيع الحيواني وتحسين السلالات، مع توسيع شبكة نقط الماء في المناطق الرعوية وتطوير منظومة أعلاف مستدامة من مصادر محلية.
دعم صغار المربّين طوال السنة
إطلاق برامج دعم مباشر وقروض ميسّرة لصغار مربّي الماشية مع مواكبة بيطرية وتقنية، لضمان توفّر قطيع وافر وبتكلفة إنتاج معقولة في موسم 2027.
أما على المستوى التنظيمي
**إصلاح منظومة التسويق وتقليص الوساطة:**
إنشاء منصات رقمية تربط المربّي مباشرة بالمستهلك، وتطوير أسواق مُنظَّمة بعيداً عن احتكار السماسرة، على غرار تجارب ناجحة في دول مجاورة.
**تشديد الرقابة وفرض الأسعار المرجعية:**
سنّ إجراءات رادعة ضد المضاربة والاحتكار مع إلزام جميع نقاط البيع بعرض الأسعار المرجعية بصورة واضحة، والتدخل الفوري عند أي تجاوز.
أما على المستوى المجتمعي
تفعيل جمعيات ادخار الأضاحي: وذلك
بتشجيع مبادرات التضامن المجتمعي كجمعيات الادخار التدريجي التي تُمكّن الأسر المحدودة الدخل من التوفير على مدار اثني عشر شهراً، وقد أثبتت هذه الصيغة نجاعتها في عدد من المناطق المغربية.
و إنشاء تعاونيات المربّين.. كقوة في الاتحاد:
دعم إنشاء تعاونيات راسخة لمربّي الماشية تُمكّنهم من التفاوض الجماعي على أسعار الأعلاف وتحمّل تكاليف النقل والتسويق بعدالة وفاعلية أكبر.إذا كمنبر اعلامي وضعنا الاصبع على جرح معانات المواطن فإننا كجهة محايدة ننقل الخبر ونتكلم بما يريد كل مواطن مغربي ..ومن هنا نقول إن العيد سيعود كل عام وسيعيد نفسه عام رغما عنا.. ولاكن
انتهى عيد الأضحى هذا العام وخلّف وراءه مرارة في نفوس كثير من المغاربة الذين أنفقوا ما يفوق طاقتهم، أو حُرموا من هذه الشعيرة العظيمة تماماً. لكن الأمل يبقى قائماً إن تحوّلت هذه المرارة إلى رافعة للإصلاح الحقيقي. فالمسؤولون والفاعلون في القطاع أمام فرصة ذهبية الآن، والساعة كما الزمن لن يتوقف..
اثنا عشر شهراً فقط تفصلنا عن عيد الأضحى المقبل.. فهل سنبدأ اليوم؟ كي لا نخاف الغد..
*سعيد بن زينة — سكرتير التحرير*
*جريدة الحقيقة بريس المستقلة — نبض المواطن، صوت الحقيقة*
*السبت 30 ماي 2026*

