تعتبر دار الشباب الحي المحمدي بالدار البيضاء واحدة من أبرز المنارات الثقافية والفنية في تاريخ المغرب الحديث. لم تكن هذه المؤسسة مجرد بناية إسمنتية لتزجية الوقت، بل كانت بمثابة “مشتل” حقيقي وصانعة للأجيال، أسهمت بشكل محوري في تشكيل الوعي الثقافي والمسرحي للمغاربة، وتخرجت منها أسماء وازنة طبعت الساحة الفنية الوطنية والعربية بمداد من العصامية والشغف.
مدرسة المسرح والسينما: مهد الإبداع الشعبي
خلال عقود الستينات، السبعينات، والثمانينات، تحولت هذه المؤسسة إلى مختبر فني استثنائي ومدرسة مفتوحة لتلقين مبادئ المسرح، الموسيقى، والسينما لأبناء الأحياء الشعبية.
داخل ردهات هذا الفضاء وقاعاته، ولدت وتدربت كبريات المجموعات الغنائية التي أحدثت ثورة في الموسيقى المغربية مثل “ناس الغيوان” و”جيل جيلالة”، كما احتضنت الدار أندية سينمائية ومسرحية رائدة أثمرت جيلاً من العمالقة في التشخيص والإخراج، مستفيدين من تأطير رواد كبار ومثقفين آمنوا بطاقات الشباب، من أمثال رائد السينما محمد عصفور، وأعمدة مسرح الهواة كعمر الطنطاوي، أحمد الصعري، وعبد القادر البدوي.
الفنان عبد الحق صالح: ابن الحي البار وخرّيج المدرسة العريقة
امتداداً لهذا الجيل المعطاء والشغوف، يبرز اسم الممثل والفنان عبد الحق صالح كنموذج حي للمبدع العصامي الذي تنفس الفن من أزقة الحي المحمدي العريق، وصقلت موهبته داخل كواليس دار الشباب.
انتمى عبد الحق صالح إلى تلك البيئة الثقافية النّشطة التي جعلت من المسرح منصة للتعبير وإبراز الطاقات، وهو التكوين الرصين الذي أكسبه قدرة عالية على التلوّن السينمائي والتلفزيوني في مستقبله المهني، وجعل منه ممثلاً قادراً على الانتقال بين الأدوار المركبة بسلاسة تامة؛ حيث أغنى الخزانة الفنية الوطنية بمشاركات متميزة في أعمال سينمائية دولية ووطنية كبرى، لعل أبرزها الفيلم السينمائي الطويل “كلاب الصيد” (Les Meutes) للمخرج كمال لزرق، وفيلم “بورن آوت” (BurnOut) للمخرج نور الدين لخماري، بالإضافة إلى أعمال أخرى مثل “زهر ومرشة”، “ولاد إيزة”، والدراما البوليسية “الدائرة 1555”.
“العطار” في مسلسل حديدان.. عبقرية الأداء والتراث
رغم التنوع الكبير في مسيرته السينمائية والجرأة في اختيار أدواره، تظل مساهمة الفنان عبد الحق صالح في السلسلة التراثية الشهيرة “حديدان” محطة استثنائية ربطته بوجدان الجمهور المغربي العريض.
فمن خلال تقمصه البارع لشخصية “العطار”، نجح في إعادة إحياء النمط الشعبي والذاكرة التراثية المغربية بأسلوب يمزج بين التلقائية وخفة الظل. إن هذا الدور بالذات يعكس جوهر “مدرسة الحي المحمدي” الفنية التي تنهل قوتها من الواقعية القريبة من نبض الشعب، والقدرة على تحويل التفاصيل البسيطة إلى لوحات إبداعية راسخة في الأذهان.
صفوة من جيل العمالقة
ينضم الفنان عبد الحق صالح في هذا المشتل الإبداعي إلى قائمة طويلة من عمالقة الفن الذين كانت دار الشباب المحطة الحاسمة في مسارهم، نذكر منهم:
-
في المسرح والسينما: الطيب الصديقي، محمد مفتاح، مصطفى داسوكين، مصطفى الزعري، صلاح الدين بنموسى، عبد الخالق فهيد، الشعيبية العذراوي، وسعاد صابر.
-
في الموسيقى والغناء: العربي باطما، بوجمعة أحكور (بوجميع)، عمر السيد، علال يعلى، ومولاي عبد العزيز الطاهري.
تظل دار الشباب الحي المحمدي رمزاً للمرحلة الذهبية للحركة الثقافية المغربية، وتظل مسيرة أبنائها، كالفنان عبد الحق صالح، شاهداً حياً على أن الإبداع الحقيقي والملتزم يولد من رحم الأحياء الشعبية متى توفرت الإرادة والتأطير الصحيح، مما يجعلهم جديرين بالاحتفاء والاعتراف كقيم مضافة للمشهد الدرامي والسينمائي المغربي.
بقلم: سعيد بن زينة
تصوير:عبد الحق الطاوس

