الرئيسيةمجتمع*موجة الهروب الجماعي نحو سبتة المحتلة تعيد المدينة إلى واجهة أزمة الهجرة*
مجتمع

*موجة الهروب الجماعي نحو سبتة المحتلة تعيد المدينة إلى واجهة أزمة الهجرة*

بقلم لحسن الزموري….

*موجة الهروب الجماعي نحو سبتة المحتلة تعيد المدينة إلى واجهة أزمة الهجرة*
بقلم لحسن الزموري

منذ بداية سنة 2026 تحولت مياه المضيق قبالة سبتة المحتلة إلى مسرح يومي لمشاهد لم نعتدها منذ سنوات. عشرات الشبان يرمون بأنفسهم في البحر مع أول خيوط الفجر، وسط ضباب كثيف وأمواج قوية، مدفوعين بحلم عبور لا يتجاوز بضعة كيلومترات تفصلهم عن الضفة الأخرى.

الأرقام التي نشرتها السلطات الإسبانية صادمة. خلال أقل من ثلاثة أشهر تمكن 1819 شخصا من دخول سبتة عبر البحر والسياج الحدودي. هذا الرقم يمثل قفزة هائلة مقارنة بالسنة الماضية، حيث لم يتجاوز عدد الوافدين في نفس الفترة 340 شخصا. حتى جزر الكناري والبليار، التي كانت لسنوات الوجهة الأولى، تراجعت أمام الضغط المتزايد على الثغر المغربي المحتل.

الصورة تتكرر تقريبا كل أسبوع. شهود من الفنيدق يتحدثون عن “موجة بشرية” تتدفق نحو الشاطئ فجأة، شبان وبينهم قاصرون يخلعون ملابسهم ويسبحون باتجاه الحواجز الصخرية الفاصلة. الحرس المدني الإسباني يعلن حالة استنفار، وزوارق الإنقاذ تخرج في ظروف بحرية صعبة. وفي بعض الأيام تتداخل الحركة مع حركة المصطافين والسياح، ما يجعل التمييز بين من جاء للبحر ومن جاء للعبور مهمة شبه مستحيلة.

الواقع الميداني يقول إن السباحة أصبحت الطريق شبه الوحيد. لم تسجل هذا العام أي وصول عبر قوارب تقليدية إلى سبتة. البحر القصير والكلفة المنخفضة جعلا من المسافة بين بليونش وسبتة الخيار الأسرع رغم خطورته. الضباب الشرقي الذي يغطي السواحل في هذا الفصل لعب دورا كبيرا أيضا، فهو يعطل أجهزة الرصد ويمنح المتسللين دقائق ثمينة.

الثمن الإنساني حاضر بقوة. منذ يناير عُثر على جث لشباب قضوا غرقا أو بسبب البرد وانخفاض الحرارة. في الثالث من يناير تم التعرف على جثة شاب من الدار البيضاء قرب لسان الترخال. عائلات كثيرة في طنجة وتطوان والناظور لا تزال تبحث عن أبنائها بعد انقطاع الأخبار.

سبتة نفسها وجدت نفسها فجأة في قلب الأزمة. مراكز الإيواء المؤقتة امتلأت بسرعة، والسلطات المحلية طالبت الحكومة المركزية في مدريد بالدعم. في المقابل كثفت السلطات المغربية من دورياتها على الشريط الساحلي، وجرى إحباط عشرات المحاولات وإعادة المعترضين عبر معبر باب سبتة. التنسيق الأمني بين الجانبين لم يتوقف رغم حجم الضغط.

ما يلفت هذه المرة هو أن الهجرة لم تعد فردية. صرنا أمام تحركات جماعية منظمة عبر شبكات التواصل، حيث يحدد اليوم والساعة ويجتمع العشرات في نقطة واحدة. كما أن حضور القاصرين بارز بشكل لافت. بعد انتهاء الدراسة وخلال ذروة الموسم السياحي يجد الكثير منهم فرصة للاختلاط ومحاولة العبور دون أن يلفتوا الانتباه.

مقارنة بباقي النقاط الحدودية، الفارق واضح. مليلية المحتلة لم تسجل سوى 47 وافدا منذ بداية السنة، بينما استقبلت سبتة أضعاف ذلك. هذا التحول يعكس أن المهاجرين أعادوا رسم خريطة الطرق، واختاروا أقصر مسافة وأكثرها مباشرة إلى أوروبا.

البحر لا يزال يبتلع أحلاما وأجسادا، والمدينة المحتلة تقف شاهدة على أزمة تتجدد كل صيف لكن بحدة أكبر هذه المرة. وبين إحصاءات رسمية وشهادات ميدانية، يبقى السؤال معلقا: إلى متى ستستمر هذه الموجات، ومن سيدفع الفاتورة الأكبر؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *