حين يصبح الهوى مذهبًا… قراءة نفسية في البحث عن شرعنة المحرمات
بقلم: د. يونس الجامعي
مستشار في التوجيه والإرشاد التربوي
لم تعد المعركة الفكرية في عصرنا تدور حول وجود النصوص الدينية من عدمها، وإنما حول كيفية تأويلها وتطويعها لخدمة الرغبات الشخصية. فكلما اصطدمت النفس الإنسانية بحكم شرعي يحد من شهواتها، برزت محاولات لإعادة قراءة النصوص، ليس بدافع البحث العلمي المجرد، وإنما بدافع البحث عن مخرج يخفف وطأة الالتزام.
إنها ظاهرة نفسية معروفة؛ فالعقل لا يعمل دائمًا بوصفه باحثًا عن الحقيقة، بل قد يتحول – تحت ضغط الرغبة – إلى محامٍ يدافع عن موقف اتخذته النفس مسبقًا. وعندئذ يبدأ الإنسان في انتقاء الأدلة، واستحضار الروايات الشاذة، وتضخيم الآراء المرجوحة، حتى يشعر بأنه لم يعد يخالف ضميره أو دينه.
هذه الآلية يصفها علماء النفس بـ”التنافر المعرفي”، حيث يعيش الفرد صراعًا بين قناعاته وسلوكه، فيلجأ إلى تغيير تفسير القناعة بدل تغيير السلوك. وهنا يصبح تبرير الفعل أسهل من مقاومة الرغبة.
ولعل أكثر الأمثلة حضورًا في هذا السياق ما يثار حول الخمر، أو المخدرات، أو زواج المتعة. فيُقال إن الخمر ليست محرمة تحريمًا قاطعًا، أو إن زواج المتعة لا يزال مشروعًا، أو إن المخدرات لم يرد فيها نص صريح. وهي استنتاجات تبدو لأول وهلة اجتهادات فقهية، لكنها في كثير من الأحيان تعكس محاولة للتوفيق بين الشهوة والضمير.
ومن الإنصاف العلمي أن نقرر أن وجود الشيء في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا يعني استمرار إباحته. فالخمر كانت منتشرة في المجتمع العربي، لكن التشريع الإسلامي تعامل معها بالتدرج حتى انتهى إلى الأمر باجتنابها، وهو ما فهمه جمهور علماء المسلمين على أنه تحريم قاطع.
كما أن زواج المتعة ثبتت إباحته في ظروف استثنائية في بداية الإسلام، ثم وردت أحاديث صحيحة عند جمهور أهل السنة تقرر نسخه وتحريمه، بينما تبقى للمدرسة الشيعية الإمامية رؤيتها الفقهية المختلفة في هذه المسألة. وهذا الخلاف لا يغير من حقيقة أن لكل مدرسة أدلتها ومنهجها في الاستدلال، ولا يجوز اختزاله في اتهامات متبادلة أو تعميمات.
أما المخدرات، فرغم أنها لم تكن معروفة بصورتها الحالية، فقد ألحقها جمهور الفقهاء بالخمر لأنها تشترك معها في تغييب العقل وإفساد الإنسان، وهو ما يتعارض مع أحد المقاصد الكبرى للشريعة، وهو حفظ العقل.
ومن الناحية النفسية، فإن الإنسان حين يرغب في فعل شيء، فإنه يصبح أكثر قابلية لتصديق كل رأي يبيحه، حتى وإن كان ضعيفًا، وأقل استعدادًا لقبول الأدلة التي تخالفه، ولو كانت أقوى وأشهر. وهذا ما يجعل بعض النقاشات الدينية تتحول من بحث عن الحق إلى بحث عن التبرير.
غير أن العدالة العلمية تقتضي أيضًا ألا نعمم الأحكام على جميع من يتبنى رأيًا مخالفًا؛ فبعض الناس قد يكون مقتنعًا باجتهاد فقهي معين عن حسن نية، وليس بدافع الهوى. لذلك، فإن نقد الأفكار ينبغي أن يبقى منفصلًا عن إصدار الأحكام على النيات، فالله تعالى وحده يعلم ما في الصدور.
إن الأزمة الحقيقية ليست في اختلاف الآراء، فقد عرفه الفقه الإسلامي منذ قرون، وإنما في أن يصبح الهوى هو الذي يختار الرأي، بدل أن يكون الدليل هو الذي يقود الإنسان إلى الرأي.
وفي زمن تتعدد فيه المنابر وتتسارع فيه الفتاوى عبر الشاشات ومنصات التواصل، تزداد الحاجة إلى ثقافة علمية رصينة، وإلى وعي نفسي يدرك أن أخطر ما قد يواجه الإنسان ليس الجهل بالحكم، بل القدرة على إقناع نفسه بأن رغبته هي الحق.
فالحقيقة لا تتغير لأننا نرغب في تغييرها، والنصوص لا تفقد دلالتها لأن النفس تميل إلى غيرها. ويبقى الصدق مع النفس، قبل الجدل مع الآخرين، هو أول طريق الهداية.

