الرئيسيةثقافة وفنأساتذة التعليم الخصوصي… انتصارات على الورق، ومعاناة في الواقع، وحلم بالانتماء إلى وزارة التربية
ثقافة وفنمجتمع

أساتذة التعليم الخصوصي… انتصارات على الورق، ومعاناة في الواقع، وحلم بالانتماء إلى وزارة التربية

أساتذة التعليم الخصوصي… انتصارات على الورق، ومعاناة في الواقع، وحلم بالانتماء إلى وزارة التربية

بقلم: د. يونس الجامعي
مستشار في التوجيه والإرشاد التربوي

في كل مرة يُفتح فيها ملف التعليم الخصوصي بالمغرب، تتجه الأنظار عادةً إلى المستثمر، أو إلى كلفة التمدرس، أو إلى علاقة المؤسسة بالأسرة. لكن هناك طرفاً أساسياً في هذه المعادلة غالباً ما يبقى في الظل: الأستاذ.

إنه الرجل والمرأة اللذان يقفان كل صباح أمام السبورة، يحملان المنهاج الوطني، ويواكبان المتعلم، ويتحملان ضغط النتائج، وتطلعات الأسر، وانتظارات الإدارة، ثم يغادران القسم دون أن يعرف كثيرون ماذا ينتظرهما في نهاية الشهر أو في نهاية الموسم الدراسي.

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية لأساتذة التعليم الخصوصي.

انتصارات تحققت… ولكنها لم تُنهِ المعركة

لا يمكن إنكار أن وضعية الأستاذ في التعليم الخصوصي عرفت تحولات مهمة خلال السنوات الأخيرة.

لقد أصبح الحديث عن التصريح، والحماية الاجتماعية، والعقد، والأجر، وساعات العمل، والحقوق المهنية أكثر حضوراً من ذي قبل. كما ارتفع وعي الأستاذ بحقوقه، ولم يعد يقبل بسهولة أن تكون علاقته المهنية محكومة بالغموض أو بالوعود الشفوية.

وهذا في حد ذاته انتصار.

وانتصار آخر يتمثل في أن المجتمع بدأ يدرك أن الأستاذ الخصوصي ليس مجرد موظف لدى مؤسسة استثمارية، وإنما هو فاعل تربوي يساهم في تنفيذ السياسة التعليمية الوطنية.

فالبرنامج وطني، والمناهج وطنية، والامتحانات وطنية، والشهادات وطنية، والمتعلم مواطن مغربي قبل أن يكون تلميذاً في مؤسسة خصوصية.

فكيف يمكن أن تكون كل هذه العناصر وطنية، بينما يظل المسار المهني لمن يقوم بتنفيذها محكوماً في كثير من الأحيان بمنطق المؤسسة وحدها؟

الوجه الآخر للصورة

خلف هذا الاعتراف المتزايد توجد مشاكل لا تزال تؤرق عدداً من العاملين في القطاع.

هناك الأستاذ الذي يعيش هاجس الاستقرار المهني، وهناك من يجد نفسه أمام ساعات عمل تتجاوز التدريس إلى مهام أخرى، وهناك من يتحمل ضغط الأسر والإدارة والنتائج في الوقت نفسه.

وهناك أيضاً تفاوت كبير بين المؤسسات الخصوصية؛ فليست كل المؤسسات على درجة واحدة من التنظيم أو الإمكانات أو شروط العمل.

وهذا التفاوت يجعل الحديث عن “أستاذ التعليم الخصوصي” بصيغة واحدة أمراً غير دقيق.

فالأستاذ الذي يعمل في مؤسسة تستثمر في مواردها البشرية وتضمن حقوق العاملين فيها ليس كالأستاذ الذي يعمل في بيئة مهنية هشة.

لكن القاسم المشترك بين الجميع هو الحاجة إلى إطار مهني أكثر وضوحاً واستقراراً.

الأستاذ بين المؤسسة والوزارة

المفارقة الكبرى أن الأستاذ الخصوصي يجد نفسه أحياناً في منطقة وسطى.

فالمؤسسة تنتظر منه الانضباط والنتائج، والأسرة تنتظر منه التفوق، والوزارة تنتظر منه احترام البرامج والمناهج والتوجيهات الرسمية.

لكنه عندما يبحث عن مسار مهني واضح، قد يجد نفسه خارج الإطار الذي يمنحه ذلك الشعور الكامل بالاستقرار.

وهنا يطرح السؤال نفسه:

هل يمكن أن نطلب من الأستاذ أن يؤدي وظيفة وطنية في التعليم، ثم نترك مستقبله المهني رهيناً بتوازنات مؤسسة خاصة؟

السؤال ليس موجهاً ضد المؤسسات الخصوصية، ولا ضد المستثمرين.

بل هو سؤال يتعلق ببنية المنظومة نفسها.

الحل ليس في شيطنة التعليم الخصوصي

من الخطأ تحويل النقاش إلى معركة بين “العمومي” و”الخصوصي”.

فالتعليم الخصوصي أصبح مكوناً واقعياً من مكونات المشهد التعليمي المغربي، وله مستثمرون وأطر وتلاميذ وأسر وتجارب ناجحة.

كما أن المستثمر يتحمل مسؤوليات مالية وإدارية وقانونية لا يمكن تجاهلها.

لذلك، فإن أي إصلاح يجب أن يقوم على التوازن:

حقوق الأستاذ محفوظة، واستقلالية المؤسسة محترمة، ودور الدولة في التأطير والمراقبة واضح.

وهذا ممكن إذا توفرت الإرادة لإعادة بناء العلاقة بين الأطراف الثلاثة.

لماذا لا نفكر في نظام وطني لأستاذ التعليم الخصوصي؟

ربما آن الأوان للخروج من ثنائية: “إما التعليم العمومي وإما التعليم الخصوصي”.

هناك مساحة ثالثة يمكن التفكير فيها:

أستاذ التعليم الخصوصي باعتباره إطاراً تربوياً وطنياً يعمل داخل مؤسسة خاصة.

وهذا التصور يمكن أن يفتح الباب أمام إحداث نظام مهني وطني خاص بأساتذة التعليم الخصوصي، تشرف عليه وزارة التربية الوطنية، دون أن يعني بالضرورة تحويل المؤسسات الخاصة إلى مؤسسات عمومية.

في هذا النموذج، يمكن أن تكون للوزارة مسؤولية أكبر في تحديد شروط المهنة، والتكوين، والكفاءة، والمسار المهني، والحقوق الأساسية، بينما تحتفظ المؤسسة الخاصة باستقلاليتها في التسيير والاستثمار.

إنها صيغة تحتاج إلى دراسة قانونية ومالية دقيقة، لكنها تستحق أن تُطرح على طاولة النقاش.

وماذا عن الإلحاق بوزارة التربية الوطنية؟

قد تبدو فكرة إلحاق أساتذة التعليم الخصوصي بوزارة التربية الوطنية جريئة، وربما يعتبرها البعض غير واقعية.

لكن كثيراً من الإصلاحات تبدأ بفكرة تبدو صعبة قبل أن تتحول إلى مشروع قابل للدراسة.

وليس المقصود بالضرورة إلغاء خصوصية القطاع أو تحميل الدولة أعباءً مالية ضخمة بين عشية وضحاها.

بل يمكن التفكير في إلحاق تدريجي أو نظام تعاقدي وطني أو هيئة مهنية تربوية موحدة، تضمن للأستاذ اعترافاً مهنياً وطنياً ومساراً أكثر استقراراً.

وقد يكون من الممكن، في مرحلة أولى، اعتماد سجل وطني لأساتذة التعليم الخصوصي، ثم نظام وطني للتكوين والتقييم، ثم مسارات للترقي والحركية المهنية، قبل الانتقال إلى صيغ أكثر تقدماً إذا أثبتت التجربة نجاعتها.

لماذا لا يستفيد التعليم العمومي من تجربة أستاذ الخصوصي؟

السؤال الآخر الذي يجب طرحه هو:

لماذا لا نستثمر في الخبرة المتراكمة داخل التعليم الخصوصي؟

هناك أساتذة راكموا سنوات طويلة من التجربة، وطوروا طرقاً مبتكرة في التدريس والتواصل والتقويم والدعم.

فبدل أن تبقى هذه الخبرات محصورة داخل المؤسسة التي يعملون بها، يمكن للدولة أن تخلق آليات للاستفادة منها في التكوين المستمر، وتبادل التجارب، والبحث التربوي.

وعندها يتحول الأستاذ الخصوصي من “موظف في مؤسسة خاصة” إلى كفاءة وطنية في مجال التربية.

المعركة الحقيقية ليست من أجل الأجر فقط

من الخطأ اختزال مطالب الأستاذ في الراتب.

الأستاذ يريد قبل كل شيء أن يعرف:

أين هو اليوم؟

وأين سيكون بعد خمس سنوات؟

وما حقوقه؟

وما واجباته؟

وكيف يمكن أن يتطور؟

وماذا يحدث إذا تغيرت المؤسسة أو أغلقت أبوابها؟

وما مصير سنوات الخبرة التي راكمها؟

هذه الأسئلة ليست ترفاً.

إنها أسئلة الاستقرار المهني.

والاستقرار المهني للأستاذ ينعكس مباشرة على استقرار القسم، واستقرار المتعلم، وجودة المدرسة.

كلمة إلى الوزارة والمؤسسات والأساتذة

إلى وزارة التربية الوطنية:
ملف أساتذة التعليم الخصوصي لم يعد ملفاً هامشياً، ويحتاج إلى رؤية وطنية تتجاوز منطق المراقبة إلى منطق بناء شراكة تربوية.

وإلى أرباب المؤسسات:
الأستاذ ليس تكلفة ينبغي تقليصها، بل هو الاستثمار الأكثر تأثيراً في جودة المؤسسة وسمعتها واستمراريتها.

وإلى الأساتذة:
إن الدفاع عن الحقوق لا ينبغي أن يتحول إلى صراع دائم، بل إلى ثقافة مهنية قائمة على الحوار والقانون والمسؤولية.

الخلاصة: حان وقت السؤال الكبير

لقد انتصر أستاذ التعليم الخصوصي في معارك كثيرة؛ انتصر في رفع مستوى الوعي بحقوقه، وفي فرض حضوره داخل النقاش العمومي، وفي إثبات أن المدرسة الخاصة لا يمكن أن تقوم من دون رجل القسم.

لكنه لم ينتصر بعد في معركة الاستقرار المهني الكامل.

وهنا ينبغي أن يبدأ النقاش الجديد.

ليس السؤال:

هل نلغي التعليم الخصوصي؟

ولا:

هل نحول المؤسسات الخاصة إلى مؤسسات عمومية؟

بل السؤال الأكثر واقعية:

كيف نجعل أستاذ التعليم الخصوصي جزءاً مستقراً ومعترفاً به من الموارد البشرية التربوية الوطنية؟

وربما تكون الإجابة في نظام مهني وطني جديد، أو في إلحاق تدريجي، أو في صيغة تعاقدية مبتكرة تجمع بين خصوصية المؤسسة ومسؤولية الدولة عن جودة التعليم.

ففي نهاية المطاف، الأستاذ لا ينتمي إلى جدران المؤسسة التي يعمل فيها فقط؛ إنه ينتمي إلى رسالة التربية.

وإذا كانت الدولة تريد مدرسة قوية، فعليها أن تبدأ بمن يقف داخل القسم.

إنصاف أستاذ التعليم الخصوصي ليس امتيازاً لفئة مهنية… بل استثمار في مستقبل المدرسة المغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *