
وبقلم عبد الحق طاوس…
ضريح سيدي بليوط.. معلم من ذاكرة الدار البيضاء يقاوم النسيان
الدار البيضاء – في واحدة من أكثر مناطق المدينة ارتباطاً بتاريخها القديم، يقف ضريح سيدي بليوط كأحد المعالم التي ارتبط اسمها بذاكرة الدار البيضاء، في مدينة تغيرت ملامحها العمرانية والاجتماعية بشكل كبير خلال العقود الماضية.

لا يبدو المكان اليوم منفصلاً عن محيطه الحضري الصاخب. فحركة السيارات والمارة، وضجيج المدينة، وتوسع المباني والمنشآت من حوله، كلها تعكس التحولات التي عرفتها الدار البيضاء، بينما يحتفظ الضريح بحضوره باعتباره موقعاً ارتبط في الذاكرة المحلية بشخصية سيدي بليوط وبمرحلة من تاريخ المدينة.
وتحضر شخصية سيدي بليوط بقوة في الرواية الشعبية للدار البيضاء، حيث تناقلت الأجيال حكايات متعددة حول الرجل ومكانته، بعضها يمزج بين التاريخ والتقاليد الشفوية. ولذلك، فإن الحديث عن الضريح لا يتعلق بمبنى ديني فحسب، وإنما بمكان تشكلت حوله طبقات من الذاكرة الشعبية التي ظلت حاضرة في وجدان سكان المدينة.
ويكتسي الضريح أهمية خاصة بالنسبة إلى الباحثين في تاريخ الدار البيضاء، بالنظر إلى ارتباط اسمه بتاريخ المدينة القديمة وبعدد من الروايات التي تناولت بدايات تشكل المجال الحضري للدار البيضاء ومحيطها. غير أن الكثير من هذه الروايات يحتاج إلى التمييز بين ما تثبته المصادر التاريخية وما بقي متداولاً في الذاكرة الشعبية.
وهنا تكمن قيمة المكان. فالمعالم التاريخية لا تستمد أهميتها دائماً من حجمها أو من هندستها، وإنما أيضاً من القصص التي ارتبطت بها ومن قدرتها على إبقاء جانب من الماضي حاضراً في مدينة تتغير باستمرار.
وعلى مدى سنوات، تحولت الدار البيضاء من مجال عمراني محدود إلى مدينة مترامية الأطراف، تتداخل فيها الأحياء التاريخية مع المناطق الحديثة ومراكز الأعمال والمشاريع العمرانية الجديدة. وفي خضم هذا التحول، أصبحت المحافظة على المعالم المرتبطة بتاريخ المدينة تحدياً يتجاوز الجانب العمراني إلى سؤال أوسع يتعلق بكيفية صون الذاكرة المحلية.
وضريح سيدي بليوط واحد من هذه المواقع التي تطرح هذا السؤال بوضوح: كيف يمكن لمدينة بحجم الدار البيضاء أن تحافظ على صلتها بماضيها، دون أن تتحول معالمها التاريخية إلى مجرد أسماء متداولة في الخرائط؟
بالنسبة إلى كثير من البيضاويين، لا يحتاج المكان إلى تقديم نفسه باعتباره معلماً سياحياً حتى يحتفظ بقيمته. يكفي أنه جزء من أسماء المدينة وحكاياتها وذاكرتها المتوارثة. فاسم سيدي بليوط ظل حاضراً في الحياة اليومية للدار البيضاء، بما يجعل الضريح مرتبطاً، بشكل أو بآخر، بصورة المدينة عن نفسها وعن ماضيها.
ومع ذلك، فإن استمرار حضور المكان في الذاكرة لا يعفي من الحاجة إلى توثيقه والتعريف بتاريخه بشكل دقيق. فبين الروايات الشعبية والمعلومات التاريخية الموثقة، تظل الحاجة قائمة إلى دراسات ومصادر واضحة تساعد على تقديم صورة أكثر دقة عن سيدي بليوط وعن المكان الذي ارتبط باسمه.
في مدينة تتغير كل يوم، تكتسب مثل هذه المعالم قيمة إضافية. فهي تذكّر بأن الدار البيضاء التي نراها اليوم لم تظهر دفعة واحدة، وإنما تشكلت عبر مراحل طويلة، تركت كل واحدة منها آثارها في عمران المدينة وأسمائها وذاكرتها.
ومن هذه الزاوية، لا يمثل ضريح سيدي بليوط مجرد موقع من الماضي، بل نافذة صغيرة على تاريخ الدار البيضاء، وعلى علاقة سكانها بالأماكن التي احتفظت بأسمائها وحكاياتها رغم مرور الزمن.
ويبقى التحدي الحقيقي هو ألا يظل هذا التاريخ حبيس الروايات المتناقلة، بل أن يتحول إلى معرفة موثقة ومتاحة للأجيال الجديدة، حتى لا تفقد الدار البيضاء، وسط توسعها وتحديثها المستمر، شيئاً من ذاكرتها التي صنعت شخصيتها.
