الرئيسية ⁄ مجتمع ⁄ «نستطيع».. تجربة حزبية جديدة تراهن على الكفاءة والتموقع طويل الأمد
مجتمع

«نستطيع».. تجربة حزبية جديدة تراهن على الكفاءة والتموقع طويل الأمد

«نستطيع».. تجربة حزبية جديدة تراهن على الكفاءة والتموقع طويل الأمد:

في سياق سياسي يعرف نقاشاً متجدداً حول علاقة الشباب بالعمل الحزبي، وأسباب تراجع الثقة والعزوف عن المشاركة السياسية، بدأت تظهر خلال الفترة الأخيرة مجموعة من المبادرات التي تسعى إلى تقديم وجوه وأفكار جديدة إلى المشهد السياسي المغربي.

ومن بين هذه التجارب يبرز مشروع حزب «نستطيع»، الذي يوجد حالياً في طور التأسيس، ويقدم نفسه كإحدى المحاولات الرامية إلى بناء إطار سياسي جديد، يعتمد بدرجة كبيرة على الشباب والأطر والكفاءات ذات الخلفيات العلمية والمهنية المتنوعة.

وتأتي هذه التجربة في وقت أصبح فيه حضور الكفاءات المتخصصة داخل العمل السياسي موضوعاً متزايد الأهمية، خصوصاً مع تعقد الملفات المرتبطة بتدبير الشأن العام، وما تفرضه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية من حاجة إلى خبرات تتجاوز الخطاب السياسي التقليدي.

⏪ الكفاءة كرأسمال سياسي:

من خلال المبادئ التي يطرحها مؤسسو «نستطيع»، يبدو أن الحزب يحاول جعل الرأسمال البشري والعلمي أحد عناصر هويته الأساسية.

فبدلاً من النظر إلى العمل الحزبي من زاوية الحضور الانتخابي فقط، يراهن المشروع على استقطاب أطر من تخصصات مختلفة، بما فيها المجالات القانونية والاقتصادية والإدارية والعلمية والتقنية.

وهو توجه يطرح تصوراً للعمل السياسي يعتبر أن الكفاءة المهنية والعلمية يمكن أن تتحول إلى قيمة مضافة داخل المؤسسات السياسية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإعداد البرامج وصياغة المقترحات والتعامل مع الملفات التقنية المعقدة.

⏪ محاولة الابتعاد عن منطق «مول الشكارة»:

ومن بين الجوانب التي تميز النقاش حول هذه التجربة، الرغبة في الابتعاد عن التصور الذي يجعل الإمكانيات المالية معياراً أساسياً للحضور والنفوذ داخل العمل السياسي.

فالمشروع، وفق المبادئ التي يطرحها، يسعى إلى إعطاء الأولوية للكفاءة والقدرة على العمل والتخصص، بدل اختزال المكانة السياسية في القدرة على الإنفاق.

وهذا الطرح يضع «نستطيع» أمام تحدٍ حقيقي: هل يمكن لمشروع حزبي جديد أن يبني حضوراً مؤثراً اعتماداً بدرجة أكبر على الكفاءات والتنظيم والعمل طويل النفس، بعيداً عن منطق «مول الشكارة» الذي كثيراً ما يُستحضر في النقاش الشعبي حول السياسة والانتخابات؟

الإجابة، بطبيعة الحال، لن تكون في الخطاب، وإنما في الممارسة التي ستكشفها السنوات المقبلة.

ليس المشروع الجديد الوحيد

وفي المقابل، لا تظهر تجربة «نستطيع» في فراغ.

فالساحة السياسية تعرف بين الحين والآخر مبادرات لتأسيس أحزاب جديدة ومشاريع سياسية تسعى إلى تقديم نفسها كبدائل أو كإضافات إلى المشهد القائم.

غير أن تعدد هذه التجارب لا يعني بالضرورة تشابهها.

فالاختلاف بين مشروع وآخر يمكن أن يظهر في المرجعيات والمبادئ، وطبيعة الأطر المشاركة، وأسلوب التنظيم، ونظرة كل مشروع إلى العمل السياسي، إضافة إلى الأهداف التي يضعها لنفسه على المدى المتوسط والبعيد.

وفي حالة «نستطيع»، يبدو أن التركيز ينصب بشكل خاص على الشباب والكفاءة والتكوين والابتعاد عن هيمنة العامل المالي، إلى جانب بناء تنظيم يتطلع إلى التموقع التدريجي داخل المشهد السياسي.

⏪ التموقع.. رهان يتجاوز الاستحقاق الانتخابي:

أحد العناصر اللافتة في تجربة «نستطيع» هو أن الحديث عن المستقبل لا يرتبط فقط باستحقاق انتخابي محدد.

فالمشروع، كما يظهر من توجهاته، يراهن على التموقع السياسي ولو على المدى البعيد، وهو ما يعني أن بناء الحزب يُنظر إليه باعتباره مساراً يحتاج إلى وقت وتراكم، وليس مجرد وسيلة لخوض انتخابات واحدة.

وهذا النوع من المشاريع يواجه بطبيعته تحديات كبيرة، لأن بناء حزب سياسي جديد يتطلب أكثر من إعلان التأسيس.

إنه يحتاج إلى هياكل تنظيمية، وتكوين سياسي، واستقطاب مستمر للكفاءات، وحضور ميداني، وإنتاج فكري وبرنامجي، وقدرة على الحفاظ على التماسك الداخلي مع مرور الوقت.

ومن ثم، فإن رهان «نستطيع» يبدو مرتبطاً بقدرته على تحويل الحضور الأولي إلى مؤسسة سياسية مستقرة وقادرة على الاستمرار.

⏪ الشباب في قلب التجربة:

البعد الشبابي يشكل كذلك أحد العناصر الأساسية في هذه التجربة.

فبدلاً من التعامل مع الشباب فقط باعتبارهم كتلة انتخابية، يطرح المشروع حضورهم باعتبارهم فاعلين داخل التنظيم وصناعاً للأفكار والبرامج.

وهو تحول له دلالة في ظل النقاش المستمر حول ضرورة تجديد النخب السياسية وإتاحة المجال أمام جيل جديد من الأطر التي راكمت تجارب في قطاعات مختلفة.

لكن نجاح هذا الرهان سيظل مرتبطاً بمدى قدرة الحزب على تحويل الحضور الشبابي من عنصر عددي إلى قوة تنظيمية وفكرية حقيقية.

⏪ تجربة ما زالت في بدايتها:

وباعتبار أن «نستطيع» لا يزال حزباً قيد التأسيس، فإن تقييم تجربته في هذه المرحلة يظل سابقاً لأوانه.

فالمرحلة الحالية هي مرحلة بناء واختبار للأفكار والهياكل والكفاءات، بينما سيكون الحكم الفعلي على التجربة مرتبطاً بما ستنتجه مستقبلاً من برامج ومواقف ومبادرات، وبمدى قدرتها على الحفاظ على المبادئ التي تطرحها عند الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الممارسة السياسية.

وفي النهاية، فإن أهمية تجربة «نستطيع» لا تكمن فقط في كونها مشروع حزب جديد يضاف إلى قائمة المبادرات السياسية، وإنما في النموذج الذي تحاول اختباره: هل يمكن لجيل جديد من الشباب والأطر أن يبني حضوراً سياسياً مستداماً، تكون فيه المعرفة والكفاءة والتنظيم والعمل طويل الأمد عناصر أساسية في صناعة المكانة السياسية؟

هذا السؤال سيحتاج إلى الوقت حتى تتم الإجابة عنه.

لكن المؤكد أن ظهور مثل هذه التجارب يعكس استمرار البحث عن مساحات جديدة داخل الحياة السياسية المغربية، وعن صيغ مختلفة لإعادة ربط الشباب بالعمل العام.

أما «نستطيع»، فالتحدي أمامه واضح: أن يثبت مع مرور الوقت أن ما يميزه كمشروع في مرحلة التأسيس يمكن أن يتحول إلى ممارسة سياسية ومؤسسة قادرة على الاستمرار.

بقلم ذ: أحمد العصامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *